يحلل الكاتب بن كينجزبرج في مراجعته النقدية أحدث أعمال المخرج طارق صالح "نسور الجمهورية"، وهو فيلم إثارة يستكشف الآليات المعقدة التي تتبعها الأنظمة السلطوية لضمان ولاء المشاهير وتطويع النجوم لخدمة أجنداتها السياسية. يركز الفيلم على شخصية متخيلة لنجم سينمائي مصري يدعى جورج فهمي، يجسد دوره الممثل فارس فارس، ويلقبه الجمهور بـ "فرعون الشاشة".

 

يجد هذا النجم نفسه، رغم رغبته الأولية في الابتعاد عن السياسة، مجبراً على الانخراط في مشروع سينمائي دعائي يخدم النظام الحاكم، حيث تتصاعد الأحداث لتكشف عن الضغوط الخفية والتهديدات المبطنة التي يتعرض لها المبدعون حينما تقرر السلطة تحويل الفن إلى أداة للبروباجندا.


ذكرت صحيفة "النيويورك تايمز" أن أحداث الفيلم تدور حول محاولة "أعوان النظام" إجبار جورج فهمي على تجسيد شخصية رئيس الدولة في مشروع سينمائي يحمل اسم "إرادة الشعب". تبدأ الضغوط حينما يتلقى النجم تحذيرات بشأن سلامة ابنه الذي يدرس في الجامعة، حيث يخبره المسؤولون الأمنيون بوقوع حوادث كثيرة في تلك المنطقة، في إشارة واضحة إلى قدرتهم على إلحاق الأذى بعائلته إذا لم يمتثل للأوامر.

 

ويوضح الفيلم أن النظام لا يبحث عن ممثل يشبه الرئيس في الملامح الجسدية، بل يسعى خلف "الكاريزما" والقبول الشعبي الذي يتمتع به فهمي، لصبغ شرعية سينمائية على الرواية الرسمية للدولة.


كواليس التصوير تحت الرقابة الأمنية المشددة


ينتقل الفيلم بالمشاهد إلى داخل استديوهات التصوير، حيث يشرف ضابط أمن غامض، يؤدي دوره الممثل عمرو واكد، على كل تفصيلة في العمل. لا يكتفي هذا الرقيب بمراقبة النص، بل يتدخل في أداء الممثلين، موجهاً ملاحظات قاسية لجورج فهمي بأن أداءه لشخصية الرئيس "غير مقنع".

 

تتجاوز سطوة هذا الأمني حدود العمل الفني لتصل إلى الحياة الخاصة للنجم، حيث يلقي على مسامعه تلميحات مرعبة تؤكد خضوع حياته الشخصية وعلاقاته العاطفية للمراقبة الدائمة. يصور المخرج طارق صالح هذا التداخل بين الفن والأمن بأسلوب يثير القشعريرة، مصوراً كيف يتحول موقع التصوير من مساحة للإبداع إلى زنزانة كبيرة يديرها رجال الظل.


التعاون الفني خارج الحدود الجغرافية


يعد هذا الفيلم التعاون الثالث بين المخرج طارق صالح والممثل فارس فارس في تناول القضايا المعاصرة المرتبطة بالواقع المصري، رغم اضطرار المخرج للعمل خارج مصر منذ عام ٢٠١٥. اختار صالح تركيا لتكون موقعاً لتصوير هذا الإنتاج الأوروبي المشترك، مستخدماً الحبكة السينمائية المعقدة التي اشتهر بها في أعماله السابقة مثل "مؤامرة القاهرة".

 

ورغم أن النقاد يرون أن إيقاع الفيلم قد يبدو بطيئاً في بعض الأجزاء، إلا أن قدرة المخرج على رسم صورة حية ومفزعة لعملية "التدجين القسري" للفنانين تمنح العمل قيمة سياسية وفنية كبرى، خاصة في توضيح كيف يضحي المبدع باستقلاليته حينما يوضع بين فكي الرحى: التهديد الشخصي أو الولاء المطلق.


دلالات الرمزية وسقوط الأقنعة السينمائية


ينتهي الفيلم بترك انطباع عميق لدى المشاهد حول هشاشة النجومية أمام جبروت السلطة، حيث تتقلص أجنحة "النسور" لتتحول إلى مجرد أدوات في يد المخرج الحقيقي الكامن خلف الستار الأمني. ينجح العمل في إثارة تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات التعاون الفني في ظل القمع، ومدى قدرة الفنان على الحفاظ على نزاهته المهنية حينما تصبح حياته وحياة أحبائه ثمناً لقول كلمة "لا".

 

يقدم "نسور الجمهورية" دراسة سينمائية وافية لروح العصر، مصوراً التحول التراجيدي لنجم أحبه الملايين إلى مجرد وجه يؤدي نصاً لم يكتبه، في مسرحية سياسية لا تنتهي بانتهاء عرض الفيلم، بل تستمر في الواقع المرير الذي يحاول المخرج تسليط الضوء عليه من منفاه الاختياري.

 

https://www.nytimes.com/2026/04/16/movies/eagles-of-the-republic-review.html